كثيرة هي أقوال أولئك الدين تحدثوا عن الموسيقى وأمعنوا في تعريفاتها وتعمقوا في معانيها و أبعادها غير أننا رأينا في هدا المقام أن نكتفي برأي أديب وشاعر وفنان تشكيلي استطاع بفضل ميزته وتجربته العميقة ورهافة حسه أن يجعل من الموسيقى روحا تتأثر وتؤثر وكأنها غير تلك الأصوات و النفحات التي عاهدناها بل هي أعمقها من دلك بكثير حسب رأيه فهي الأصل وتليها الفروع وهي الكل وتأتي بعدها الجزئيات , هدا الفنان جبران خليل جبران الذي نظر بسمعه وسمع بقلبه تمكن من أن يتحدث بلغة تجعل القارئ يسمع لا شك تفاصيلها و نغماتها و دلك بان تحدت عن الموسيقى جملة وفصل المقامات وتحدت عن أنماطها ومعانيها لا بحسب معانيها وما تخلقه في النفس وما تتركه من اثر, ونظرا لما لتلك الآراء من أهمية ارتأينا أن نضعها بموقعنا لاستئناس والاستشهاد ولكل غاية فنية جميلة سامية و نبيلة
مدير المعهد الموسيقي
الموسيقى من خلال جبران خليل جبران
يقول جبران خليل جبران : تعالى معي ياصاح , إلى مسرح الذكرى لنرى منزلة الموسيقى عند أمم طوتها الأيام , وتعال نتأمل تأثيرها في كل دور من ادوار ابن ادم.
عبدها الكلدانيون والمصريون كاله عظيم يسجد له ويمجد. واعتقد الفرس والهنود بكونها روح الله بين البشر. و قال شاعر فارسي مامعناه . ˝إن الموسيقى كانت حورية في سماء الآلهة تعشقت ادميا وهبطت نحوه من العلو فغضب الآلهة اد علموا وبعثوا وراءها ريحا شديدة نثرها في الجو وبعثرتها في زوايا الدنيا, ولم تمت نفسها قط بل هي حية تقطن أدان البشر ˝.وقال حكيم هندي . ˝ إن عذوبة الألحان توطد أمالي بوجود أبدية جميلة˝
الموسيقى عند اليونان والرومان كانت آلها مقتدرا, بنو له هياكل عظيمة ما برحت تحدتنا بعظمتهم, ومذابح فخيمة, قدموا لها أجمل قرابينهم وأعطر بخورهم. آلها دعوه ابولون فمثلوه وجميع الكماليات تجعله منتصبا, كالغصن على مجاري المياه , يحمل القيثارة في يسراه , ويمينه على الاوثار.رأسه مر فوع يمثل العظمة, وعيناه ناظرتان إلى البعيد كأنه يرى أعماق الأشياء وقالوا إن صدى رنات الاوثار ابولون صوت الطبيعة. رنات شجية ينقلها عن تغريد الطيور وخرير المياه وتنهدات النسيم وحفيف أغصان الأشجار.وجاء في أساطيرهم أن رنات أوتار اورفيوس الموسيقى حركت قلب الحيوان فاتبعتها ا لضواري , والنبات , فمدت نحوه الازاهر أعناقها ومالت إليه الأغصان , والجماد, فتحرك وتفتت
قالوا فقد اورفيوس زوجته فبكاها ورثاها نادبا حتى ملأت نغمة لوعته البرية , فبكت الطبيعة لبكائه حتى حنت قلوب الآلهة ففتحت له أبواب الأبدية كي يلتقي حبيبته في عالم الأرواح.هدا كلام بعد أن قضي عز تلك الأمة ومضى , دعونا خرفات مصدرها الوهم وأحلاما ابتدعتها التصورات , غير انه قول دل على إن تأثير الموسيقى في صدور اليونان كان عميقا وعظيما .الموسيقى ترافق أرواحنا وتجتاز معنا مراحل الحياة, تشاطرنا الأرزاء والأفراح وتساهمنا السراء والضراء. وتقوم كالشاهد في أيام مسرتنا وكقريب شفيق في أيام شقائنا.يأتي المولود من عالم الغيب إلى دنيانا فتقابله القابلة و الأقارب بأغاني الفرح , متأهلين بأناشيد الابتهاج والحبور. يحييهم , عندما يرى النور , بالبكاء والعويل يجيبونه بالتهليل والهتاف كأنهم يسابقون بالموسيقى الزمان على إفهامه الحكمة الإلهية.
وادا ما بكى الرضيع اقتربت منه والدته وغنت بصوتها الموسيقي المملوء رقة وحنوا فكف عن البكاء ويرتاح لألحان أمه المتجسمة من الشفقة وينام . وفي الحان الوالدة ونغمتها قوة توعز إلى الكرى ليغمض أجفان طفلها . وتشاركها تلك الألحان السكنية بهدوئها فتزيدها حلاوة وتمحو رهبتها وتملأها سحرا من أنفاس الأم الحنون حتى يتغلب الرضيع على الأرق وينام وتطير نفسها إلى عالم الأرواح. ولا ينام الطفل لو تكلمت الوالدة بلسان شيشرون أو غيره …الموسيقى كالشعر و التصوير, تمثل حالات الإنسان المختلفة وترسم أشباح أطوار القلب و توضح أخيلة ميول النفس وتصوغ ما يجول في الخاطر وتصف أجمل مشتهيات الجسد
النهاوند
النهاوند يمثل تفريق المحبين ووداع الوطن ويصف أخر نظرة من راحل عزيز يمثل شكوى الألم مبرحة بين ضلوع قوامها لظى الشوق .النهاوند صوت من أعماق النفس الحزينةنغم متجسم من مهجور يسأ ل عطفا على رمقه قبل أن يضنيه البعاد. زفرات يائس أنشأتها المرارة وتنهدات قانط بثتها لوعة من أتلفه الصبر و التجلد . النهاوند يمثل الخريف وتساقط أوراق الأشجار المصفرة بسكينة وهدوء, وتلاعب الريح بها وتفريق شملها.النهاوند صلاة والدة نأىابنها إلى ارض بعيدة فباتت بعده تغالب النوى فيها جمها بعامل اليأس وتصده بعوامل الصبر والأمل. وفي النهاوند معنى بل معان وأسرار يفهمها القلب وتفقهها النفس . أسرار يحاول بثها اللسان وكشفها القلم فيجفف هدا وتنقطع أوصال داك
الاصفهان
وأصغيت (للاصفهان) فشاهدت , بعين سمعي , أخر فصل من حكاية عاشق دنف , مات حبيبه فتقطعت عرى أماله وتواصلت زفراته فهو ينوح بأخر ما في جسده من الحياة, ويرثي ببقايا ما في حياته من الرمق الاصفهان أخر نفس من منازع واقف , في مركب الموت , بين شاطئ الحياة وبحر الأبدية. الاصفاهان رثاء الذات بغصات متقطعة متواصلة وتنهدات عميقة نغمة صداها سكينة تمازجها مرارة الموت والأسى وحلاوة الدمع والوفاء.
الصبا
نسمع الصبا فتستفيق منا قلوب حجبتها لحف الغم وتستيقظ وترقص بين الضلوع. فالصبا نغمة فرح تنسي المرء أتراحه فتملؤه فرحا وابتهاجا , الصبا كنسمات الصبا تمر فتهتز لها أزاهر الحقل تيها وابتهاجا
الرصد
وللرصد في سكينة الليل, وقع في المشاعر يحاكي تأثير كلمات رسالة جاءت من عزيز غال, انقطعت أخباره في بلاد بعيدة فجاء الكتاب يحيي عاطفة الأمل يبعد النفس باللقاء. وكأني بمغني الرصد يخبر بقرب الفجر واندحار الظلام.
أيتها الموسيقى , يا ا وتربي المقدسة لقد رقصت أخواتك الفنون في غير من الأجيال زمنا , ووضعن في معاقل النسيان أخر , وأنت تهزئين يهن ولم تتنازلي عن مسرح النفس يوما واحدا , فكأنك صدى القبلة الأولى التي وضعها ادم على شفتي حواء صدى له صدى تتناقل وتتناسخ وتكتنف الكل وتحيى بالكل. أيتها الموسيقى ياابنة النفس و المحبة , يا إناء مرارة الغرام وحلاوته . يا أخيلة القلب البشري. يا ثمرة الحزن وزهرة الفرح. يا رائحة متصاعدة من طاقة زهور المشاعر المضمونة. يا لسان المحبين ومذيعة أسرار العاشقين. ياموحية الشعر ومنظمة عقود الأوزان . يا موحدة الأفكار مع نتف الكلام ومؤلفة المشاعر من مؤثرات الجمال. يا خمرة القلوب الرافعة شاربها إلى عالم الأخيلة . يا مشجعة الجنود ومطهرة نفوس العابدين ويا بحر الرقة واللطف, إلى أمواجك نسلم أنفسنا وفي أعماقك نستودع قلوبنا فحمليها إلى ما وراء المادة ورأينا ما تكنه عوالم الغيب.كرموا يا سكان الأرض كهنتها وعيدوا لذكر خدامها وشيدوا لهم التماثيل . صلي أيتها الأمم وسلمي على ارفيوس وداود والموصلي وعظمي ذكر بتهوفن وفغنر وموزار . وغني أيها الوطن العربي بأسماء موسيقيك ومبدعيك . كبر أيها الكون الألى بثوا في سمائك أنفسهم وملئوا الهواء أرواحا لطيفة وعلموا الإنسان أن يرى بسمعه ويسمع بقلبه .